إخباري 24 نيوز

رئيس مجلس الإدارة: أحمد همام

رئيس التحرير: عادل البكل

مقالات

أوهام الخصومات الكبرى وفخاخ التسوق

أوهام الخصومات الكبرى وفخاخ التسوق
مقالات · ٢٢:٠٦:٤٠ - الأحد، ٨ نوفمبر ٢٠٢٦

تحولت مواسم التخفيضات الكبرى من ظاهرة محلية أمريكية إلى ماراثون استهلاكي عالمي، تتقاسم فيه التسميات بين "الجمعة السوداء" ذات الأصل الغربي، و"الجمعة البيضاء" التي تتبناها المنصات العربية مراعاة للوجدان الثقافي والديني، وصولاً إلى "سيبر مونداي" المخصص للتجارة الإلكترونية. ورغم اختلاف المسميات، تتفق الاستراتيجيات التسويقية على هدف واحد: تحفيز الشراء المفرط عبر أدوات نفسية وتقنية متطورة.

من "بلاك فرايداي" إلى "الجمعة البيضاء"

بدأ مصطلح "البلاك فرايداي" في ستينيات القرن الماضي بمدينة فيلادلفيا الأمريكية، حيث أطلقه رجال المرور وصفاً للفوضى والاختناقات المرورية التي يسببها تدفق المتسوقين في اليوم التالي لعيد الشكر. سريعاً ما أعاد التجار صياغة الدلالة ليربطوها بتحول دفاترهم المحاسبية من اللون الأحمر (الخسائر) إلى الأسود (الأرباح). وفي المنطقة العربية، آثر التجار والمنصات الكبرى مصطلح "الجمعة البيضاء" واجهة إعلانية تستميل الوجدان الديني والثقافي، بينما ظل "الجمعة السوداء" نافذاً عبر العلامات العالمية وألسنة الجيل الجديد.

هندسة الرغبات والخوف من تفويت الفرصة

تعمل المنصات الرقمية ببراعة على تعطيل العقل النقدي للمستهلك عبر العدّادات التنازلية الموقوتة، والتنبيهات المستعجلة بعبارات مثل "باقي قطعتان فقط" أو "ينتهي العرض خلال عشر دقائق". تثير هذه التكتيكات إفراز هرمون النورأدرينالين المرتبط بالقلق من الخسارة، فيقع المستهلك فريسة لما يُعرف بـ "الخوف من تفويت الفرصة" (FOMO). يفسر الدماغ المأزوم عدم الشراء الفوري على أنه خسارة مجسدة، لا توفيراً للمال، فتسقط الحواجز المنطقية ويُتخذ قرار الشراء تحت وطأة الانفعال اللحظي لا الحاجة الفعلية.

خوارزميات الاستهداف والإغراء الرقمي

لا تكتفي الخوارزميات بعامل الوقت، بل تبني ملفاً تنبؤياً دقيقاً لكل مستخدم، مترصدة اللحظات التي تنخفض فيها مقاومته النفسية. يرافق ذلك استغلال بيانات المتسوقين المجمعة سابقاً لملاحقتهم بالإشعارات المخصصة، إلى جانب تسخير التصميم الرقمي وتناغم الألوان الاستدراجية لتعزيز الجذب الإقناعي. تكشف هذه الآليات أن الغاية الحقيقية لتلك المواسم ليست مساعدة العائلات أو تخفيف الأعباء المعيشية، بل هندسة الرغبات وخلق احتياجات وهمية لم تكن موجودة من الأساس.

سلوك المستهلك شرقاً وغرباً

يتجلى تقاطع السلوك الاستهلاكي بين الشرق والغرب عند النتيجة ذاتها رغم اختلاف الدافع الظاهري. في المجتمعات الشرقية، يندفع المستهلكون نحو الشراء انطلاقاً من العدوى الاجتماعية والتفاخر الجمعي بين الأفراد والعائلات. أما في الغرب، فيتجه المتلقي غالباً نحو الاستهلاك الفردي المعزول بوصفه تعبيراً عن حرية زائفة في الاختيار. يستسلم الفريقان لسطوة البرمجة النفسية للحاجات والدوافع المصطنعة، لتتحول المحفظة إلى أداة طيعة في يد شركات عابرة للقارات ومحلية تجيد العزف على أوتار الزبائن الشرائية.

الحاجة لليقظة الذهنية

تدق هذه الهيمنة البرمجية على مقدرات الإنسان الاستهلاكية ناقوس الخطر حول تراجع حصانة الوعي وحصافة الرأي الفردي والجمعي أمام طوفان الإعلانات المبرمجة. تصبح الحاجة ملحة للتروي واليقظة الذهنية، حتى لا يجد المرء نفسه مجرد ترس هادئ في آلة الاستهلاك الضخمة، يشتري ما لا يحتاج بمال غير مخصص لهذا الإنفاق المستحث. أقوى أشكال الحصانة في العصر الرقمي هي القدرة على قول "لا" في وجه الإغراء ومصادره، وحماية الجيب والعقل معاً من غواية الأرقام والخصومات الوهمية، واستبدال التدافع بالتروي وإعمال العقل؛ لأننا ببساطة لن نتوقف عن الشراء، لكننا سنشتري عند الحاجة لا عند الإلحاح.

شارك الخبر: