مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» بعد أكثر من 45 عامًا من الوجود الدولي، يقف الجنوب اللبناني أمام مرحلة دقيقة تطرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل الأمن والاستقرار، وقدرة الدولة على بسط سلطتها، ومصير آليات مراقبة وقف إطلاق النار وتوثيق الخروقات الإسرائيلية.
تحديات الانتقال والمسؤوليات
يرى منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى اليونيفيل، أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا مدروسًا للمسؤوليات مدعومًا بضمانات سياسية ودولية وآلية بديلة لمراقبة الخروقات. ويحذر من أن غياب القوة الدولية قد يضعف القدرة على التحقق المحايد من الوقائع الميدانية، ويفتح المجال أمام تضارب الروايات بشأن أي تصعيد جديد.
جاهزية الجيش اللبناني واحتياجاته
يؤكد شحادة أن الجيش اللبناني هو الجهة الوطنية والقانونية المؤهلة لتولي المسؤوليات الأمنية في الجنوب، مشيرًا إلى أن عدد عناصره المنتشرين حاليًا يقارب 10 آلاف عنصر مع وجود خطة لزيادة العدد. إلا أنه يوضح أن تحديات عدة لا تزال قائمة، خصوصًا فيما يتعلق بتجهيزات المراقبة الليلية والاتصالات ووسائل النقل، ما يستدعي استمرار الدعم الخارجي.
آليات المراقبة البديلة والغموض الدولي
تعد آلية مراقبة وقف إطلاق النار وتوثيق الانتهاكات من أبرز الملفات التي ستتأثر بانتهاء مهمة اليونيفيل. ويوضح شحادة أن الآلية الحالية ترتبط بالقوة الدولية من خلال اللجنة الثلاثية، محذرًا من أن رحيل القوة سيحرم هذه الآلية من وجود جهة دولية محايدة تتابع الوقائع الميدانية. ويشير إلى نقاش داخل الأمم المتحدة بشأن صيغ بديلة، منها إنشاء مكتب ارتباط تابع للأمانة العامة في بيروت أو بعثة مراقبة مصغرة غير مسلحة، لكن بديلًا جاهزًا لم يتبلور حتى الآن.
المواقف الدولية وسيناريوهات ما بعد اليونيفيل
يلفت شحادة إلى تباين في المقاربات الدولية؛ إذ تميل الولايات المتحدة إلى تقليص الوجود العسكري الأممي ونقل المسؤوليات إلى الجيش اللبناني، في حين تفضل فرنسا ودول أوروبية أخرى الإبقاء على حضور دولي محدود لضمان استمرار الرقابة. كما يشير إلى أن إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي يثير رفضًا لبنانيًا قاطعًا.
الضمانات المطلوبة ودور المجتمع الدولي
يوضح شحادة أن لبنان لم يحصل حتى الآن على ضمانات مكتوبة وملزمة تضمن استمرار الرقابة الدولية، مشيرًا إلى أن ما صدر عن فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يندرج في إطار التعهدات باستمرار دعم الجيش اللبناني. ويرى أن المطلوب هو تحويل هذه التعهدات إلى قرار دولي واضح يحدد طبيعة الآلية البديلة للمراقبة.
اختبار للسيادة والاستقرار
يربط شحادة نجاح المرحلة المقبلة بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل الجنوب، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتأمين التمويل المستدام للجيش. ويحذر من أن انتهاء المهمة الدولية من دون استكمال هذه الشروط قد يعيد لبنان إلى ظروف أمنية شبيهة بتلك التي سبقت عام 2006. ويبقى السؤال الأهم: هل ستسمح إسرائيل للجيش اللبناني بالانتشار في المناطق التي لا توجد فيها قواتها، وهل ستنفذ انسحابًا تدريجيًا يتيح للدولة استعادة سيطرتها على كامل أراضيها؟



