كشفت الدكتورة إيمان شاكر، مدير مركز الاستشعار عن بُعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، عن الدور المتنامي للتقنيات الحديثة في تعزيز القدرة على رصد الظواهر الجوية المتطرفة والتنبؤ بها، بما يتيح اتخاذ إجراءات استباقية للحد من الخسائر البشرية والمادية.
دور التقنيات الحديثة في رصد الظواهر المتطرفة
أوضحت شاكر أن التكامل بين الأقمار الصناعية والرادارات ونماذج التنبؤات العددية والذكاء الاصطناعي يمثل نقلة نوعية في منظومات الرصد. تتيح الأقمار الصناعية متابعة السحب وحركة المنظومات الجوية على نطاق واسع، بينما تساعد الرادارات في رصد الأمطار وتطورها، وتوفر محطات الرصد الأرضية قياسات لدرجات الحرارة والضغط والرطوبة والرياح.
تُغذي هذه البيانات نماذج التنبؤات العددية التي تحاكي حركة الغلاف الجوي، ويسهم الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من البيانات واكتشاف الأنماط، مما يدعم سرعة معالجة المعلومات. أكدت شاكر أن هذه التقنيات لا تعمل بمعزل عن الأسس العلمية للأرصاد، وتتوقف جودة النتائج على دقة البيانات وكفاءة النماذج وخبرة المتنبئ الجوي.
الكوارث المناخية التاريخية ودروسها
استعرضت شاكر أبرز الكوارث التي شهدها العالم، منها موجة حر أوروبا 2003، وإعصار كاترينا في نيو أورلينز 2005، وفيضانات باكستان 2022، وكارثة درنة الليبية في سبتمبر 2023 إثر العاصفة دانيال وانهيار سدين، إضافة إلى أحداث متطرفة في الإمارات والولايات المتحدة عام 2024.
أظهرت هذه الكوارث أن حجم الخسائر لا يتوقف على شدة الظاهرة وحدها، بل يتأثر بمدى الاستعداد، وكفاءة البنية التحتية، وسرعة وصول التحذيرات. شددت على أهمية الربط بين التحذيرات الجوية وتقييم المخاطر المرتبطة بالبنية التحتية والأودية وشبكات تصريف المياه.
تأثير الظواهر المتطرفة على المجتمعات
أوضحت أن الظواهر الجوية المتطرفة تؤثر في قطاعات عديدة؛ فالجفاف الممتد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي ونقص المياه وارتفاع أسعار الغذاء، بينما تدمر الفيضانات والأعاصير المنازل والطرق والمنشآت وقد تدفع السكان للنزوح. تفرض موجات الحر ضغوطًا على الصحة العامة وقطاعات الطاقة والمياه والزراعة، وتتفاقم الآثار مع الفقر والنزاعات وهشاشة البنية التحتية.
أشارت التقييمات العلمية إلى أن موجات الحر أصبحت أكثر شدة في معظم مناطق العالم، وزادت شدة أو تكرار الأمطار الغزيرة في مناطق واسعة. تزيد الاحترار العالمي من شدة الأمطار المرتبطة بالأعاصير المدارية، بينما لا يسير عدد الأعاصير عالميًا في اتجاه موحد.
تطور منظومات التنبؤ وتحدياتها
أكدت شاكر أن أبرز التحديات تتمثل في صعوبة تحديد مكان الظاهرة المتطرفة وشدتها وتوقيتها بدقة كبيرة، خاصة في الظواهر سريعة التطور أو التي تتأثر بالتضاريس. التنبؤ بهطول الأمطار لا يكفي وحده لتحديد حجم السيول، إذ يتطلب دراسة طبيعة الأرض وانحدارها ومسارات الأودية وقدرة شبكات التصريف.
دعت إلى تطوير محطات الرصد والرادارات، واستخدام نماذج أكثر دقة، ودمج البيانات الجوية مع المعلومات الهيدرولوجية والجغرافية، وتقييم أداء التنبؤات باستمرار لتحويل المعلومات العلمية إلى تحذيرات واضحة.
تحويل الإنذار المبكر إلى إجراءات فعلية
أوضحت أن صدور التحذير ليس نهاية المنظومة، بل يجب أن تصل المعلومة إلى الجهات المعنية والمواطنين في الوقت المناسب مصحوبة بإرشادات واضحة. تتطلب المنظومة الفعالة معرفة المخاطر المحتملة في كل منطقة، وتوافر الرصد والتحليل والتنبؤ وإيصال التحذيرات عبر قنوات موثوقة، إلى جانب الاستعداد والاستجابة.
أشارت إلى مبادرة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (الإنذارات المبكرة للجميع) التي تستهدف تعزيز حماية السكان. خطط الاستجابة يجب أن تتناسب مع طبيعة الخطر: مناطق السيول تحتاج لتحديد مسارات المياه، وموجات الحر تتطلب حماية الفئات الأكثر تأثرًا، والعواصف الترابية تحتاج تحذيرات تراعي انخفاض الرؤية.
المخاطر الجوية التي تواجه مصر
تواجه مصر مخاطر تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، أبرزها السيول الناتجة عن الأمطار الغزيرة في مناطق جنوب سيناء وشمالها وجبال البحر الأحمر والأودية، إلى جانب موجات الحر والعواصف الترابية والرملية واضطراب الملاحة البحرية وارتفاع الأمواج.
مواجهة السيول تتطلب الجمع بين التنبؤ بكميات الأمطار وتحديد مناطق تجمع المياه ومسارات جريانها، لأن التأثير يتأثر بطبيعة التضاريس والتربة وقدرة شبكات التصريف. موجات الحر تستلزم معلومات مبكرة للاستعداد لتأثيراتها على الصحة والطاقة والمياه، بينما تسهم تحذيرات العواصف الترابية في تقليل مخاطر انخفاض الرؤية.
حدود التنبؤ بالكوارث ودور الذكاء الاصطناعي
أكدت شاكر أنه يمكن التنبؤ بالعديد من الظواهر الجوية قبل وقوعها بوقت يسمح بالاستعداد، لكن المهلة الزمنية ومستوى الدقة يختلفان بحسب طبيعة الظاهرة. distingished بين التنبؤ بحدوث الظاهرة والتنبؤ بحجم آثارها، فالأخير يتطلب معلومات إضافية عن البنية التحتية ومدى تعرض السكان.
الذكاء الاصطناعي يساعد في تطوير أدوات التنبؤ وتحليل البيانات بسرعة، لكنه لا يضمن معرفة جميع التفاصيل مسبقًا ولا يمكنه بمفرده منع تحول الظاهرة إلى كارثة، نظراً لحدود علمية مرتبطة بتعقيد الغلاف الجوي وعدم اليقين في البيانات. الهدف الأساسي يتمثل في زيادة مهلة الإنذار وتحسين دقة التوقعات وتحديد المناطق الأكثر عرضة، ثم تحويل النتائج إلى إجراءات عملية تشمل الاستعداد المبكر وتوعية المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات.



