تجاوزت مناقشات جلسة الأمن الغذائي والمائي في منتدى مصر 2026 حدود تأمين السلع واستصلاح الأراضي، لتطرح رؤية اقتصادية متكاملة حول تحويل الأمن الغذائي إلى ركيزة تعزز مرونة الاقتصاد المصري أمام الصدمات الخارجية. وتعني المرونة الاقتصادية قدرة الاقتصاد على امتصاص تقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، مع الحفاظ على استقرار الأسواق والنمو والتعافي بأقل تكلفة.
الاحتياطيات الاستراتيجية والإنتاج المحلي: تكامل يعزز المرونة
لا تبدأ مواجهة الأزمات عند اضطراب الأسواق بل بالاستعداد المسبق، وتبرز أهمية الاحتياطيات الاستراتيجية التي أشار إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي بكفاية تصل إلى ستة أشهر، مانحة الدولة هامشًا لإدارة الإمدادات واحتواء تقلبات الأسعار. لكن كفاءة المخزون لا تتحدد بحجمه وحده، بل بملاءمته لاحتياجات كل سلعة ومخاطر انقطاع إمداداتها مقارنة بتكاليف التمويل والتخزين. وتتعزز فاعلية الاحتياطيات بتكاملها مع رفع الإنتاجية الزراعية وتحسين استخدام المياه وتطوير سلاسل التخزين والتصنيع والنقل، لتقليل التعرض للصدمات على المدى الطويل.
التوسع الزراعي: محرك للنمو والتنمية
تعكس جهود التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي منذ 2014، وفي مقدمتها مشروع الدلتا الجديدة، توجهًا استراتيجيًا لتوسيع القاعدة الإنتاجية. وأكد الرئيس السيسي استعداد الدولة لاستصلاح عشرة ملايين فدان حال توافر الموارد المائية. ولا تقتصر القيمة الاقتصادية على المساحات المزروعة، بل تمتد لتحفيز أنشطة مترابطة تشمل التصنيع الغذائي والتعبئة والنقل والتسويق والتصدير، مما يوسع فرص العمل ويزيد القيمة المضافة المحلية.
الأمن المائي: أساس استدامة الإنتاج
يمثل الأمن المائي القيد الحاكم على أي توسع زراعي أو صناعي مستدام، وتركز الجهود على كفاءة نقل المياه وتوزيعها واستخدامها. تكتسب مشروعات تطوير ترع الإسماعيلية والسويس وبورسعيد بتكلفة تقارب مليار جنيه أهمية في تحسين كفاءة النقل وموثوقية الوصول. ويعزز توظيف القياس اللحظي والذكاء الاصطناعي والتوأمة الرقمية كفاءة إدارة المورد، بينما ينقل حصر ورقمنة 22 ألف مسقى بطول 17 ألف كيلومتر الإدارة إلى مستوى التشغيل الفعلي. كما يسهم تشكيل 6,400 رابطة لمستخدمي المياه في تعزيز الإدارة التشاركية وخفض كلفة الرقابة. وتضيف 4.8 مليار متر مكعب سنويًا من المياه المعالجة توسعًا في الموارد، تتوقف جدواه على جودة المعالجة وتكاليف النقل، مع ترشيد الاستخدام ومراعاة الاحتياجات الاقتصادية عند اختيار المحاصيل.
البروتين المحلي: تقليل الفجوة الاستيرادية
يمتد الأمن الغذائي لتوفير مصادر البروتين بأسعار مناسبة، وتدعم جهود تحسين سلالات الثروة الحيوانية ورفع إنتاجية المزارع السمكية واستعادة كفاءة البحيرات المصرية الأصول الإنتاجية وفرص العمل. وأشار الرئيس السيسي إلى ما تعرضت له بحيرات البردويل والمنزلة وناصر من تعديات وإهمال على مدار عقود، مما استدعى تدخلات لاستعادة دورها في دعم الإنتاج السمكي. ويبرز دور جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في تطوير إدارة البحيرات ومعالجة التحديات البيئية والإنتاجية، مما يدعم الأنشطة الاقتصادية في المحافظات المحيطة.
الدعم الاجتماعي: حماية القدرة الشرائية
لا تكتمل المنظومة دون حماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر احتياجًا، فارتفاع أسعار الغذاء يمثل صدمة توزيعية تؤثر في الأسر محدودة الدخل. يسهم الدعم الاجتماعي الفعال في امتصاص آثار تقلبات الأسعار والحفاظ على الاستهلاك الأساسي، وتزداد فعاليته مع تحسين دقة الاستهداف وتوظيف البيانات والتحويلات الرقمية، مما يضمن وصول الموارد لمستحقيها ويرفع العائد الاجتماعي للإنفاق العام.
الأمن الغذائي: استثمار في المرونة الاقتصادية
يكشف المسار المصري في ملفي الأمن الغذائي والمائي أن الأمن الغذائي أصبح أحد روافد المرونة الاقتصادية الخارجية. فتأمين السلع وتعزيز الإنتاج المحلي وتطوير سلاسل الإمداد يحد من التعرض لتقلبات الأسواق العالمية وضغوط فاتورة الاستيراد. ولا تتحدد قيمة الجهود بحجم الاستثمارات وحدها، بل بمدى تكاملها؛ فالاحتياطيات تتيح وقتًا لإدارة الاضطرابات، والإنتاج المحلي والتصنيع يدعمان القيمة المضافة، وكفاءة استخدام المياه تضمن استدامة الإنتاج، والدعم الموجه يحمي القدرة الشرائية. ويبقى التحدي في الموازنة بين التوسع الإنتاجي وحدود الموارد، مما يتطلب تعظيم العائد من كل وحدة مياه وزيادة القيمة المضافة وتحسين كفاءة الإنفاق لتحقيق عائد تنموي مستدام يعزز مرونة الاقتصاد على المدى الطويل.


