ألقى رئيس أساقفة القدس، الدكتور حسام إلياس نعوم، عظة الأحد العشرين بعد الثالوث في كاتدرائية واشنطن الوطنية، مؤكدًا أن كرامة الإنسان تستمد قدسيتها من كونه يحمل صورة الله، وأنه لا يحق لأي دولة أو حكومة أو أيديولوجية أو قوة عسكرية أن تطالب بالولاء المطلق الذي يخص الله وحده.
الكنيسة مسؤولة عن سلام قائم على العدالة
شدد نعوم على أن الكنيسة تتحمل مسؤولية مقدسة في الدفاع عن السلام القائم على العدالة والكرامة والحرية والمساواة والأمن، مشيرًا إلى أن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى الحرية والعدالة والكرامة وتقرير المصير، مثلما يحتاج الشعب الإسرائيلي إلى الأمن والتحرر من الخوف، وأن مستقبل الشعبين مترابط بصورة عميقة لا يمكن فصلها.
زيارة تأخرت ثلاث سنوات بسبب حرب غزة
استهل رئيس أساقفة القدس عظته بالتعبير عن امتنانه لوقوفه أخيرًا على منبر الكاتدرائية بعد تأجيل دام ثلاث سنوات بسبب اندلاع الحرب في غزة، ناقلًا تحياته وصلواته من مطرانية القدس وإكليروسها ورعاياها الصامدين. وأعرب عن تقديره للصلوات والمساندة التي قدمها أبناء الكنيسة في الولايات المتحدة، موجهًا الشكر إلى مؤسسة «الأصدقاء الأمريكيون لمطرانية القدس الأسقفية» التي رعت الزيارة.
«أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»
تأمل نعوم في النص الإنجيلي عن مواجهة يسوع لسؤال الجزية لقيصر، موضحًا أن الإجابة تتجاوز التسوية السياسية لتعلن حقيقة جوهرية: الدينار يحمل صورة قيصر، بينما يحمل كل إنسان صورة الله المقدسة. وأشار إلى أن الحكومات والإمبراطوريات تقوم وتزول، لكن حياة الإنسان تظل مرتبطة بالله، وتحمل كرامة أصيلة لا يحق لأي سلطة أرضية أن تمحوها.
الرجاء المسيحي فعل مستمر في مواجهة اليأس
استحضر نعوم كلمات الرسول بولس عن عمل الإيمان وتعب المحبة وصبر الرجاء، مؤكدًا أن الرجاء المسيحي ليس انتظارًا سلبيًا بل قوة فاعلة تتجسد في العمل والمحبة والثبات. وقال إن هذا الرجاء يبقي مستشفيات مطرانية القدس في خدمة المرضى، ومدارسها مستمرة في التعليم، ورعاياها مواظبة على الصلاة، ومجتمعاتها مثابرة في السعي نحو العدالة.
مستشفيات ومدارس الكنيسة تواصل رسالتها رغم الدمار
أوضح أن الإيمان بكرامة الإنسان يدفع المطرانية إلى مواصلة تشغيل المستشفى الأهلي العربي في غزة وسط الدمار، وإبقاء مستشفى القديس لوقا في نابلس مستمرًا في تقديم خدماته، واستمرار مركز الأميرة بسمة في رعاية الأطفال ذوي الإعاقة على جبل الزيتون، إلى جانب مواصلة المدارس والكنائس التابعة للمطرانية في خمس دول أداء رسالتها.
قرارات واشنطن تؤثر في حياة البشر خارج حدودها
توقف نعوم عند المسؤولية التي تتحملها الولايات المتحدة، بالنظر إلى تأثير قرارات مراكز السلطة في واشنطن على حياة البشر في مناطق بعيدة. واستشهد بالمثل: «إذا عطست أمريكا، أُصيب العالم بالزكام»، مضيفًا أن العواقب قد تكون أشد خطورة. وشدد على أن الكنيسة تتحمل مسؤولية مقدسة في رفع صوتها بأمانة والدعوة إلى سلام متجذر في العدالة والكرامة.
حرية الفلسطينيين وأمن الإسرائيليين ليسا نقيضين
أكد أن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى الحرية والعدالة والكرامة وحق تقرير المصير، مثلما يحتاج الشعب الإسرائيلي إلى الأمن والحرية من الخوف، وأن هذه التطلعات لا ينبغي أن يلغي بعضها بعضًا لأن مستقبل الشعبين مترابط بعمق. وأشار إلى أن مسيحيي الأرض المقدسة يواصلون حضورهم ككنيسة حية متجذرة رغم المعاناة وعدم اليقين.
من الخوف إلى الثقة ومن العنف إلى المصالحة
اختتم عظته بالتأكيد على أن سؤال يسوع «لمن هذه الصورة؟» لا يزال يتردد عبر القرون، وأن الشجاعة الحقيقية تبدأ عندما يتجاوز البشر انقساماتهم ويتعرفون على صورة الله في القريب والغريب والجريح وحتى في العدو، بما يفتح الطريق من الخوف إلى الثقة، ومن الهيمنة إلى العدالة، ومن العنف إلى المصالحة، ومن الموت إلى الحياة.



