تواجه أوروبا موجة جديدة من الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية مع تصاعد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية، في وقت ألقت فيه الحرب الأمريكية الإيرانية بظلالها على أسواق الطاقة لتضيف ضغوطًا جديدة إلى أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة داخل القارة.
كيف انتقلت تداعيات الحرب من الشرق الأوسط إلى الشارع الأوروبي؟
وفقًا لصحيفة لابانجورديا الإسبانية، يُعد اضطراب الإمدادات وارتفاع المخاطر المرتبطة بنقل النفط والغاز من أهم قنوات تأثير الحرب إلى أوروبا عبر أسواق الطاقة، ما يؤدي إلى زيادة تكاليف الوقود والنقل والإنتاج وينعكس تدريجيًا على أسعار السلع والخدمات. ويكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة باعتباره أحد الممرات الرئيسية لتجارة النفط والغاز عالميًا، وأي اضطراب في حركة الشحن عبره يرفع المخاوف بشأن توافر الإمدادات وتكلفة نقلها.
أصبح ارتفاع أسعار الوقود عبئًا متزايدًا على الأسر والشركات في أوروبا، بينما تتزامن هذه الضغوط مع صعوبات تواجه الحكومات في السيطرة على التضخم وتحقيق التوازن بين الإنفاق العام ودعم المواطنين. ولا يتوقف التأثير عند أسعار البنزين والديزل، بل يمتد إلى تكاليف تشغيل الشاحنات والجرارات والمصانع ونقل الأغذية والمنتجات الزراعية، مما يضيق المساحة المتاحة أمام الأسر للإنفاق على السكن والتعليم والاحتياجات اليومية.
فرنسا وإيطاليا.. الوقود يضيف ضغطًا إلى الاحتجاجات
في فرنسا، امتدت احتجاجات بدأت بمطالب تتعلق بأوضاع المدارس ونقص المعلمين إلى شرائح أخرى تعترض على غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الوقود وتراجع الخدمات العامة، وترافقت بعض التحركات مع مواجهات وأعمال تخريب. وأشارت صحيفة لوموند الفرنسية إلى أن ارتفاع أسعار الوقود أصبح أحد أبرز مصادر الاستياء، في وقت تسعى فيه قوى سياسية إلى استثمار الغضب الشعبي.
أما في إيطاليا، فتظهر التداعيات الاقتصادية بوضوح في احتجاجات سائقي الشاحنات والمزارعين الذين يواجهون ارتفاع تكاليف الديزل والنقل والإنتاج، وتزامنت هذه التحركات مع اضطرابات ومواجهات في مدن بينها ميلانو وتورينو وبولونيا على خلفية مطالب اقتصادية وسياسية مختلفة.
أزمة الطاقة ليست السبب الوحيد.. السكن والأجور والتعليم في قلب المشهد
على الرغم من أهمية الحرب في تفسير الارتفاعات الجديدة في أسعار الطاقة، فإن موجة الاحتجاجات الأوروبية أوسع من أن تُختزل في عامل واحد. أشار تقرير يورونيوز إلى أن الاحتجاجات تعكس تراكم ضغوط تشمل ارتفاع أسعار الأغذية، وصعوبة الحصول على سكن بأسعار مناسبة، وضعف القدرة الشرائية، وتراجع جودة بعض الخدمات العامة.
وفق تحليل بيانات يوروستات، ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي بنسبة 34% بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026، مما يوضح حجم الضغوط المتراكمة على المستهلكين خلال السنوات الأخيرة. في إسبانيا والبرتغال تتمحور تحركات حول أزمة السكن وارتفاع الإيجارات والأجور، بينما ترتبط احتجاجات بلجيكا بغلاء المعيشة والتعليم والخدمات، وفي ألبانيا تتداخل المطالب الاقتصادية مع اتهامات بالفساد ودعوات لتغيير سياسي.
هل تتحمل حكومة ترامب مسؤولية الغضب الأوروبي؟
أعادت الصحيفة الإسبانية فتح النقاش بشأن التداعيات الدولية للقرارات الأمريكية، إذ تصل آثار الصراع إلى المستهلكين والشركات في اقتصادات تعتمد على استيراد الطاقة. لكن من الضروري التمييز بين التأثير الاقتصادي للحرب وبين تحميل إدارة ترامب المسؤولية عن جميع الاحتجاجات الأوروبية، فالمظاهرات ترتبط أيضًا بسياسات محلية تتعلق بالأجور والضرائب والإسكان والإنفاق العام كانت محل خلاف قبل اندلاع الصراع.
تشير التغطيات الأوروبية إلى أن الضغوط الاقتصادية قد تعيد تشكيل النقاش السياسي داخل القارة، وتمنح الأحزاب التي تتعهد بخفض أسعار الوقود والضرائب فرصة لاستقطاب الناخبين، غير أن مدى استمرار هذا التأثير يتوقف على تطور أسعار الطاقة وقدرة الحكومات على تخفيف الأعباء ومدى استجابتها للمطالب الاجتماعية.



