إخباري 24 نيوز

رئيس مجلس الإدارة: أحمد همام

رئيس التحرير: عادل البكل

عالم

أزمة البحث العلمي الأمريكي: تراجع التمويل وهجرة العقول للصين

أزمة البحث العلمي الأمريكي: تراجع التمويل وهجرة العقول للصين
عالم · ١٥:٠٤:٣٩ - الجمعة، ٦ نوفمبر ٢٠٢٦

لم تعد المنافسة العلمية بين الولايات المتحدة والصين مقتصرة على حجم الاستثمارات أو عدد براءات الاختراع، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها استقطاب العقول، في وقت تواجه فيه المنظومة البحثية الأميركية واحدة من أصعب فتراتها مع تراجع التمويل وخروج أعداد كبيرة من العلماء والباحثين من المؤسسات الفيدرالية.

فاتورة سياسية يدفعها البحث العلمي

كشفت أرقام وردت في تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» عن حجم الضغوط التي تعرضت لها المؤسسات العلمية الأميركية؛ إذ فقدت وزارة الطاقة أكثر من ألف عالم وفني، فيما حجبت المؤسسة الوطنية للعلوم تمويلات تتجاوز مليار دولار، وتأجلت أو ألغيت أكثر من ألفي منحة بحثية في معاهد الصحة الوطنية، شملت مشروعات تتعلق بأمراض خطيرة مثل السرطان والزهايمر.

ولم تتوقف التداعيات عند تقليص التمويل، بل امتدت إلى مختبرات الأبحاث الدفاعية التي فقدت نسبة كبيرة من موظفيها، بحسب تقرير للبنتاجون صدر خلال الصيف محذرًا من عواقب محتملة وخطيرة على مستقبل الأمن القومي الأميركي.

ثلاثة مسارات تعيد تشكيل المشهد العلمي

ترتبط الضغوط التي تواجه البحث العلمي بثلاثة مسارات رئيسية في سياسات الإدارة الأميركية؛ أولها تقليص الوظائف والمنح الحكومية، وهي إجراءات ارتبطت بحملة خفض الإنفاق التي قادتها هيئة الكفاءة الحكومية. أما المسار الثاني، فيتمثل في الضغط على الجامعات والمؤسسات البحثية من خلال خفض التمويل. ويأتي المسار الثالث عبر توجهات مكتب الإدارة والميزانية لتعزيز الرقابة السياسية على أوجه إنفاق الأموال الفيدرالية، بما يثير تساؤلات حول حدود استقلالية المؤسسات العلمية في تحديد أولوياتها البحثية.

الجامعات الأميركية تفقد جاذبيتها للباحثين الشباب

لم تقتصر آثار الأزمة على المختبرات والوكالات الحكومية، بل وصلت إلى الجامعات التي بدأت تواجه صعوبات في التخطيط لبرامجها البحثية والأكاديمية في ظل حالة عدم اليقين بشأن التمويل الفيدرالي. وفق بيانات رابطة الجامعات الأميركية، تراجعت طلبات التقدم لبرامج الدكتوراه المقدمة من الطلاب الأجانب بنسبة 21% هذا العام في الجامعات الرائدة، بالتزامن مع انخفاض إجمالي أعداد المقبولين في هذه البرامج.

الصين تقترب والمنافسون يستغلون الفرصة

في المقابل، تتقدم الصين بخطوات متسارعة في مجال البحث العلمي، بعدما أصبحت جامعاتها تنافس المؤسسات الأميركية الكبرى في بعض التصنيفات الدولية، فيما تشير تحليلات شركة «كلاريفيت» إلى وصول تأثير الأبحاث الصينية، وفق مقياس الاستشهادات العلمية، إلى مستوى مماثل لنظيره الأميركي.

ولا تقتصر الاستفادة من التراجع الأميركي على بكين، إذ أطلقت أستراليا برنامجًا لجذب المواهب العالمية، وخصصت كندا أكثر من مليار دولار لاستقطاب ألف باحث دولي، ونجحت في جذب أسماء علمية أميركية بارزة. ومن أبرز المؤشرات انتقال أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الكيمياء من جامعة كاليفورنيا في بيركلي إلى إدارة معهد في بكين يعمل على توظيف الذكاء الاصطناعي لتسريع اكتشاف مواد جديدة.

العلم استثمار طويل الأجل والخسائر قد تظهر متأخرة

تكمن خطورة تقليص الإنفاق البحثي في أن نتائجه لا تظهر بالضرورة بصورة فورية، فالأبحاث الأساسية التي تمولها الحكومات قد تستغرق عقودًا قبل أن تتحول إلى ابتكارات تكنولوجية أو علاجات طبية. وقدمت التجربة الأميركية نماذج واضحة على ذلك؛ فقد أسهمت أبحاث الساعات الذرية التي بدأت في أواخر أربعينيات القرن الماضي في تمهيد الطريق لتطوير نظام تحديد المواقع العالمي «GPS»، كما قادت أبحاث ممولة فيدراليًا عام 1976 بشأن أصول الجينات المسببة للسرطان إلى اكتشافات علمية مهمة أسهمت لاحقًا في تطوير أدوية منقذة للحياة.

البيت الأبيض: إصلاح المؤسسات وليس إضعاف العلم

في المقابل، رفض البيت الأبيض والبنتاجون وعدد من الوكالات العلمية الاتهامات بأن سياسات الإدارة تعرقل التقدم العلمي، مؤكدين أن الهدف هو إعادة هيكلة المؤسسات البحثية وتوجيه التمويل نحو الأولويات الوطنية. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الرئيس يسعى إلى تدشين عصر جديد للعلوم الأميركية من خلال تحديث المؤسسات البحثية، والتركيز على المهام الوطنية الطموحة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تسريع الاكتشافات العلمية.

معركة العقول.. الرهان الحقيقي على المستقبل

تكشف التطورات أن التنافس العلمي لم يعد يدور فقط حول حجم الموازنات أو عدد المؤسسات البحثية، وإنما حول قدرة الدول على توفير بيئة مستقرة تجذب العلماء وتحافظ على استقلالية البحث وتمنح المشروعات العلمية الوقت اللازم للنضج. وبينما تراهن الإدارة الأميركية على إعادة توجيه المنظومة العلمية وفق أولوياتها، تتحرك دول أخرى لاقتناص الكفاءات والخبرات التي قد تغادر الولايات المتحدة.

شارك الخبر: