في موسم ذكرى الانتصار المجيد، تبرز أسئلة معلقة بين الجيلين القديم والجديد حول معنى الانتصار الذي تحقق قبل ثلاثة وخمسين عامًا، وأين انتصارات الإنجاز والتقدم التي تلته. ويختلف الشباب اليوم في نظرتهم لحرب أكتوبر عما يراه جيل الكبار ويعتنقه، إذ يتحدث الآباء بعشق عن الحرب كأنها حدثت بالأمس، بينما يراها الأبناء أسطورة لم يعايشوا أحداثها، يصدقون منها ما يقتنعون به ويكذبون ما لا يستسيغونه.
فجوة المشاعر والمعلومات
تجلت هذه الفجوة بوضوح خلال ورشة فكرية نظمها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية حول حرب أكتوبر والهوية الوطنية، حيث لم تقتصر الاختلافات على الأفكار والمعلومات، بل امتدت إلى المشاعر ووجهات النظر عن التاريخ. ويرث الشباب نيشان الانتصار كما يرث الابن كنزًا لم يشارك في جمعه، فيرون في ذكرى الحرب صورة صامتة على حائط، وتتحول المناسبة إلى واجب رثاء باللسان لا افتخار بالقلب.
تحول المشهد الفني: من الأغاني الوطنية إلى المهرجانات
تغيرت الصورة كثيرًا بين فن الأمس واليوم. بعد أن اعتاد المجتمع التوحد مع الأغاني الوطنية في موسم الانتصار، صار الجيل الحالي يتوحد مع حفلات أغاني المهرجانات ونجومها مثل بيكا ورمضان وشاكوش وصاصا وشطة. وتبرز قصة الموسيقار بليغ حمدي مع أغنية "بسم الله.. الله أكبر" نموذجًا لتفاعل الفن مع اللحظة الوطنية، حيث تحمس لإنتاجها وتحمل تكاليفها، وخرج اللحن للناس ثاني أيام الحرب ليصير جزءًا من الذاكرة الغنائية للعبور، بينما يتساءل الشباب اليوم: هل كان هذا السائد أم الاستثناء؟ وهل كانت كل الأعمال تعبيرًا عن إيمان أصحابها أم تداخل فيها الحماس الوطني مع توجيه الدولة؟
أغاني الحرب.. وتهميش تراث مدن القناة
تشير تقديرات النقاد إلى أن الأغاني المرتبطة بالحرب بلغت نحو 77 أغنية، من بينها "عاش اللي قال" لعبد الحليم حافظ، و"على الربابة بغني" لوردة، و"أم البطل" لشريفة فاضل التي ارتبطت تجربتها بفقدان ابنها الشهيد الطيار سيد السيد بدير. غير أن أسئلة الشباب فتحت نافذة على جانب مهمل: لماذا حظيت الأغاني القادمة من القاهرة بحضور أوسع، بينما ظلت أغاني السمسمية وتراث مدن القناة أقل تداولًا؟ ولماذا نعرف بليغ حمدي وعبد الحليم أكثر مما نعرف الكابتن غزالي والريس عبده العثماني؟ فقد غنت فرق مثل "ولاد الأرض" للصمود، وحملت السمسمية في السويس والإسماعيلية وبورسعيد أصوات البسطاء في أغانٍ مثل "يا دنيا سامعاني" و"يا بيوت السويس" و"غني يا سمسمية لتراب البندقية"، وفيها يكمن جانب أصيل من الذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تحجبه أضواء المركز.
السينما والدراما.. بطولة الضباط ونسيان الجنود
أدت السينما دورًا محوريًا في تثبيت صورة الحرب بالوجدان الشعبي عبر أفلام مثل "الرصاصة لا تزال في جيبي" و"أبناء الصمت" و"الوفاء العظيم" و"حتى آخر العمر" و"الطريق إلى إيلات". ويسأل الشباب الآن: لماذا غلبت البطولة العسكرية على تفاصيل الحياة الاجتماعية؟ أين حكايات عائلات العمال والفلاحين الذين فقدوا أبناءهم وتحملوا أعباء الحرب؟ لماذا نحتفل بالضباط وكبار القادة وننسى الجنود الذين قاسوا الويلات وبذلوا الدماء دون انتظار مقابل؟ وفي الدراما التلفزيونية، ارتبطت الذاكرة الشعبية بأعمال مثل "دموع في عيون وقحة" و"رأفت الهجان" و"الحفار" التي اتخذت من المخابرات ساحة للصراع، ويسأل الجيل الجديد: لماذا ننجذب إلى قصص الجواسيس أكثر من قصص الجنود المجهولين؟ وهل نميل للبطولة التي تمكر بالعدو أكثر من بطولة التضحية؟
التاريخ بين القداسة والنقد
أسهمت الكتب والمذكرات والدراسات في تشكيل فهم الحرب، من مذكرات المشير الجمسي، إلى دراسات جمال حمدان ومحمد حسنين هيكل، وصولًا لإصدارات حديثة مثل "موسوعة حرب أكتوبر 1973" الصادرة عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية (ثلاثة مجلدات)، و"المعارك الحربية على الجبهة المصرية" لجمال حماد، و"أكتوبر 73: السلاح والسياسة" لهيكل، و"انتصار أكتوبر في الوثائق الإسرائيلية" بإشراف إبراهيم البحراوي، و"إعلام الحرب بين الحقيقة والتضليل" لسالي عاطف فتح الله، و"مصر من ناصر إلى حرب أكتوبر" لفلاديمير فينوجرادوف، و"حرب أكتوبر 1973 بين الحقائق والأكاذيب" لمحمد قشقوش. ويرى الجيل الجديد أن هذه الكتب لا تكفي للإحاطة بأسرار الحرب التي لا تزال وثائق كثيرة حولها سرية، ويسألون: لماذا نتعامل مع هذه المراجع كأنها مقدسة؟ لماذا لا نسائلها وننقدها ونقارن بينها؟ إن التاريخ الذي يخشى السؤال يتحول إلى خطاب مكرر ومرفوض، أما الذي يقبل الفحص والنقاش فيظل حيًا نابضًا.
إبداع جديد لهواجس الحاضر
كانت حرب أكتوبر أكثر من انتصار عسكري، تجلت أصداؤها في الأغنية والسينما والدراما والكتابة التاريخية والفنون الشعبية، محاولةً من المجتمع للاحتفاظ بلحظة استعاد فيها ثقته بنفسه ونقلها للأجيال. لكن مرور ثلاثة وخمسين عامًا يفرض سؤالًا يتجاوز الاحتفاء السنوي: لماذا فتر حضور الفن الوطني أو تراجع تأثيره أمام منطق السوق والحسابات التجارية؟ وهل يكفي استعادة أغاني الماضي وأفلامه، أم نحن بحاجة إلى إبداع جديد يعبر عن هموم المجتمع الراهنة؟ ليس من العدل مطالبة الفنانين اليوم بتكرار تجربة جيل آخر، فقد تغيرت ظروف الإنتاج والجمهور والاقتصاد والثقافة، لكن من حقنا التساؤل عن قدرة الفن على ملامسة قضايا الناس، وعن دور المؤسسات الثقافية والتعليمية في اكتشاف المواهب ودعم الأعمال الجادة وإتاحة التراث للأجيال الجديدة. إن الهوية المصرية ليست ملكًا لجيل، ولا أثرًا جامدًا في متحف الذاكرة؛ إنها نهر يتدفق من نبع الماضي، يتشرب هواجس الحاضر، مواصلًا شق سبيله نحو المستقبل. وأكتوبر، في معناه الأعمق، ليس ذكرى نحتفي بها فحسب، بل تجربة نفهمها وقيمة نستخلصها وقدرة على الفعل ينبغي أن تستمد بقاءها من تجدد حماس الشباب وإيمانهم الحقيقي بها.



