إخباري 24 نيوز

رئيس مجلس الإدارة: أحمد همام

رئيس التحرير: عادل البكل

مقالات

من يصنع وعي المصريين؟.. من الراوي إلى خوارزمية تيك توك

من يصنع وعي المصريين؟.. من الراوي إلى خوارزمية تيك توك
مقالات · ٢٢:٥١:٠٤ - الاثنين، ٢ نوفمبر ٢٠٢٦

تطرح التحولات التي شهدتها آليات تشكيل الوعي في المجتمع المصري تساؤلات عميقة حول هوية صانع الوعي اليوم، بعدما انتقل الدور من الراوي الشعبي في المولد، إلى المذيع المركزي في ماسبيرو، وصولًا إلى صانع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي الذي تحكمه خوارزمية الترند لا الأخلاق.

عصر الراوي: عقد اجتماعي بين الحقيقة والجمهور

في الماضي، كان الراوي هو البرلمان والمدرسة والتلفزيون للفلاحين والعمال الذين لا يجيدون القراءة. في خيم المولد، مثل مولد السيد البدوي بطنطا أو عبد الرحيم القناوي بقنا، كان الراوي يحكي السيرة الهلالية بأبياتها الشعرية وربابته، مستحضرًا شخصيات مثل أبو زيد الهلالي رمز العدالة، ودياب بن غانم، والجازية الهلالية. لم تكن الحكايات للتسلية فقط، بل دروسًا في السياسة والصبر والثورة، وكان هناك عقد اجتماعي غير مكتوب: الراوي يحكي الحقيقة الشعبية بصدق، والجمهور يحميه ويطعمه. من كذب أو حرض القصة لإرضاء العمدة، كان الجمهور يصحح له أو يطرده.

أدرك الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي قيمة هذا التراث، فسجل بأجهزته البدائية رواة الصعيد الكبار مثل جابر أبو حسين، الذي كان يحكي السيرة في ثلاث ليال متواصلة دون تكرار بيت واحد، محققًا إنقاذًا للوعي الشعبي غير الرسمي قبل أن يموت رواته.

عصر المنبر المركزي: الإذاعة والصحافة والمؤسسات الدينية

مع انتقال الوعي من الحلقة إلى القاهرة، حل المذيع محل الراوي. صوت أحمد سعيد في "صوت العرب"، وبيان ثورة 1952 بصوت جمال الشريف، ومقالات محمد حسنين هيكل ومصطفى أمين، صنعت وعيًا مركزيًا هادفًا يوزع من مباني الإذاعة والأهرام والأخبار إلى القرى. تغيرت أماكن الصناعة أيضًا؛ كان مقهى جروبي في وسط البلد بمثابة "فيسبوك" ذلك الزمان، حيث دائرة ضيقة من السياسيين والصحفيين تصنع وعي الملايين. لعبت المؤسسات الدينية والتعليمية دورًا محوريًا، فكان الشيخ الشعراوي في الثمانينيات يصنع وعيًا دينيًا واجتماعيًا يفوق وزارات الإعلام مجتمعة. الفرق الجوهري أن الراوي القديم كان ملكًا للناس يناقشونه، بينما المذيع الجديد كان ملكًا للدولة يُسمع فقط.

عصر الخوارزمية: السرعة تقتل الحقيقة والمحاسبة غائبة

اليوم، مات المذيع الصادق، وصار الوعي يصنعه بلوجرز ومشاهير على تيك توك، انتقلنا من ثلاثة رواة في الصعيد، إلى ثلاثة مذيعين في ماسبيرو، إلى ثلاثين مليون صانع محتوى. قصة الزير سالم التي كانت تُحكى في خمسين ليلة، أصبحت فيديو مدته 45 ثانية مليئًا بالأخطاء ويحقق ملايين المشاهدات. شخصية أبو زيد الهلالي تحولت إلى "ميم" ساخر يهرب من فاتورة الكهرباء. السياسة اختصرت في فيديوهات مدتها 30 ثانية يشرح فيها من لا يعرف مكان كامب ديفيد معاهدة السلام.

المشكلة ليست في البلوجر ذاته، بل في القاعدة الحاكمة: الراوي كان يحكمه خلق، والمذيع كان يحكمه قانون وطني، أما صانع التيك توك فتحكمه "خوارزمية هزلية" تريد الانتباه لا الحقيقة، والصراخ لا العمق، والترند لا التاريخ. الناجح هو الأكثر إثارة للغضب أو الضحك في ثوانٍ. السرعة تقتل الحقيقة؛ صانع المحتوى يلخص تاريخ محمد علي في 45 ثانية ليلحق الترند، والناس تصدق لأن الفيديو سريع ومقنع. فيديو ادعى أن الفراعنة فضائيون حصد 8 ملايين مشاهدة، بينما رد العالم زاهي حواس لم يتجاوز 80 ألفًا، لأن الخيال أسرع من الحقيقة.

لا مرجعية ولا محاسبة اليوم؛ من يزيف التاريخ أو الدين لا يُعاقب، بل تكافئه الخوارزمية بالانتشار. أصبح الوعي عاطفيًا لا عقلانيًا، والخوارزمية تحب من يبكيك أو يضحكك أو يغضبك. تفككت الهوية المشتركة؛ كل مصري الآن لديه تيك توك مختلف وتاريخ مختلف، فتفرقت الحكايات التي كانت تجمعنا. الأخطر أن الوهم يباع "دليفري"؛ بلوجر يعد بالثراء السريع أو بنهاية العالم، والناس تصدق بحثًا عن أمل سريع. تيك توك يصنع التفاهة فيبدو التافه عالمًا، والعالم مملًا. حتى المعلم، المفترض فيه القدوة، بات يسب الطلاب بألفاظ قذرة أو يضربهم، فكيف يستقيم وعي الأجيال؟

الحل: راوٍ جديد بتيشرت وموبايل وأمانة قديمة

الحل ليس في لعن تيك توك أو منعه، بل في استخدامه كأداة نافعة كالسكين في يد الزوجة. نحتاج راوٍ جديد يلبس التيشرت ويحمل الموبايل بدلًا من الجلباب والربابة، لكنه يحمل نفس الأمانة. شاب مثقف يعرف أن أبو زيد الهلالي رمز لمقاومة الظلم، ويستطيع حكيه في دقيقة واحدة بصدق لينافس فيديو الرقص المبتذل. المطلوب تحسين صناعة مشروع الوعي، ليس بكتابة تاريخ أكاديمي جاف، بل بإعادة الحكاء والحكاية للناس، وجعل جروبي والهلالية والأبنودي مفهومين لجيل تيك توك، وبث الأخلاق والتقاليد الحميدة. العودة للأسرة هي الحل الآمن؛ حيث الجد الحكاء، والأب الراوي، والأم الصديقة. الراوي كان حدوتة قبل النوم، والسؤال يبقى: هل سنترك وعي أبناءنا تصنعه الخوارزمية الهزلية، أم سنصنع خوارزميتنا الخاصة التي تحكي حكايتنا بصوتنا بصدق؟

شارك الخبر: