أصبحت الأحزاب العربية عنصراً محورياً في مساعي تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة، بعد تحقيقها اختراقاً تاريخياً بحصولها على 19 مقعداً في الكنيست، وهو أعلى تمثيل للقوائم التي يقودها عرب في تاريخ إسرائيل. وأظهرت النتائج الرسمية التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية في 30 أكتوبر حصول كتلة نتنياهو على 53 مقعداً، وكتلة المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت على 48 مقعداً، بينما توزعت مقاعد التحالفين العرب بين 11 مقعداً لـ"القائمة المشتركة" و8 مقاعد لـ"القائمة العربية الموحدة" (رعَم) بقيادة منصور عباس.
اختراق برلماني يغير موازين القوى
ظلت الأحزاب العربية لسنوات طويلة خارج حسابات الائتلافات الحكومية، لكن قوتها المجتمعة الحالية تجعلها قادرة على التأثير في بقاء نتنياهو في السلطة، أو تشكيل إدارة بديلة، أو دفع إسرائيل نحو فترة جديدة من عدم اليقين السياسي. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية 77.9%، وهي الأعلى منذ 1999، مع إدلاء 5.7 مليون صوت، فيما شكلت مشاركة الناخبين العرب منعطفاً حاسماً بعد دورات سابقة من العزوف الانتخابي.
من الإقصاء إلى النفوذ البرلماني: منظور تاريخي
وجدت المشاركة السياسية العربية منذ أول انتخابات 1949، لكنها مرت بتحولات جوهرية. ففي البدايات دخل ممثلون عرب عبر قوائم "ماباي" العمالية، في ظل الحكم العسكري الذي استمر حتى 1966. وتطورت لاحقاً حركات عربية مستقلة طرحت مطالب المساواة المدنية والاعتراف بالهوية الوطنية الفلسطينية. وشكلت "القائمة المشتركة" 2015 تحالفاً لأربع حركات متباينة، حققت 13 مقعداً، قبل أن تؤدي الخلافات الأيديولوجية إلى تفككها وتذبذب التمثيل في دورات 2019 و2020 و2021 و2022.
سابقة "القائمة العربية الموحدة": المشاركة في الحكومة تصبح ممكنة
حدث الاختراق المؤسسي الأهم في يونيو 2021، حين انضم منصور عباس وحزبه "رعَم" لائتلاف بينيت-لابيد، ليصبح أول حزب عربي مستقل عضواً رسمياً في ائتلاف حاكم. أتاح الاتفاق إثبات أن المساومة السياسية يمكن أن تخدم مصالح المجتمعات العربية، وأظهر أن التعاون البرلماني يمكن أن يتجاوز الحدود الأيديولوجية، غير أن الائتلاف انهار بعد عام تحت ضغوط القضايا الأمنية والدينية والحقوق الفلسطينية.
حسابات سياسية متباينة بين "رعَم" و"القائمة المشتركة"
لا تشترك القائمتان في برنامج موحد. تركز "رعَم" بقيادة عباس على المشاركة البراغماتية وتحسين ظروف الحياة اليومية، بينما تطرح "القائمة المشتركة" قضايا الحقوق الوطنية الفلسطينية ومعارضة الحكم العسكري في الأراضي المحتلة. وأشار النائب أحمد الطيبي إلى استعداد حزبه لدعم حكومة بديلة من خارج الائتلاف مقابل التزامات تلبي احتياجات المجتمع العربي، وتأييده لاستبدال رئيس الكنيست وتشكيل لجنة تحقيق في هجمات 7 أكتوبر 2023.
الناخبون العرب: من الإحباط إلى حراك متجدد
عبر الناخبون العرب طويلاً عن إحباطهم من محدودية تأثير ممثليهم على الاستثمارات العامة والإسكان والتوظيف والتعليم والجريمة المنظمة. لكن انتخابات 2026 شهدت حراكاً واسعاً مدفوعاً بالاستياء من حكومة نتنياهو وسياسات اليمين المتطرف. وسلط تقرير لـ"الجارديان" الضوء على دور الحملات الشعبية التي تقودها النساء في النقب، حيث تضاعفت مشاركة النساء ثلاث مرات في بعض التجمعات البدوية غير المعترف بها، بدعم من منظمات المجتمع المدني اليهودي والعربي.
مزاعم التدخل الانتخابي والصراع حول الشرعية
أثار نتنياهو و"الليكود" مزاعم حول مخالفات وتدخل خارجي مرتبط بالحراك السياسي العربي، بما في ذلك اتهامات لقطر، وهو ما نفاه القادة العرب وقطر. وأكدت السلطات الانتخابية عدم وجود أساس لادعاءات التقويض المنهجي للعملية، وحذر جهاز الأمن العام (الشاباك) من وصم مجتمع بأكمله. ووصف محللون هذه الاتهامات بأنها محاولة لتقويض شرعية التعاون اليهودي-العربي، بينما دعا الرئيس إسحاق هرتسوغ لفحص المزاعم محذراً من وصم ممارسي الحقوق الديمقراطية.
تجربة جديدة في التعاون السياسي
من أبرز تطورات الحملة انضمام يواف سيغالوفيتز، الضابط السابق والسياسي اليهودي، إلى قائمة "رعَم"، مقدماً نموذجاً على أن حزباً ذا جذور إسلامية يمكن أن يضم مرشحاً يهودياً رغم الخلافات حول الدين والهوية الوطنية. وجادل سيغالوفيتز بأن اليهود والعرب قادرون على التعاون سياسياً رغم اختلافهم حول قضايا جوهرية.
أربعة سيناريوهات برلمانية محتملة
أفرزت الانتخابات عدة احتمالات مؤسسية: أولاً، حكومة بقيادة آيزنكوت مدعومة من الأحزاب العربية (48+19=67 مقعداً)، تتطلب اتفاقات حول التشكيل والسياسات، وقد تنضم "رعَم" للائتلاف بينما تدعم "القائمة المشتركة" من الخارج. ثانياً، حكومة أقلية تحظى بدعم خارجي، تواجه تحديات مستمرة في الميزانيات والتشريعات. ثالثاً، حكومة وحدة تضم أحزاباً يهودية من معسكرات متقابلة دون الاعتماد على الأحزاب العربية. رابعاً، استمرار الجمود وإجراء انتخابات جديدة، على غرار دورات 2019-2022.
تداعيات على الفلسطينيين والشرق الأوسط
يتجاوز التمثيل البرلماني العربي الموسع مفاوضات الائتلاف الداخلي. فالمواطنون الفلسطينيون في إسرائيل يحملون الجنسية الإسرائيلية مع روابط وطنية وعائلية قوية مع فلسطينيي الضفة والقدس وغزة. وقد يفتح التمثيل الأوسع آفاقاً لطرح قضايا الاحتلال والاستيطان وإعادة إعمار غزة وتقرير المصير، غير أن التمثيل لا يعني بالضرورة توجيه السياسة الخارجية أو الأمنية. وتظل التداعيات على العلاقات الإقليمية رهناً بسياسات الحكومة والظروف الأمنية والمفاوضات الدبلوماسية، لا بعدد النواب العرب في الكنيست وحده.



