لم تعد الكتابة في هذا الزمن ترفًا فكريًا أو تسلية للعقول بالقصص، بل تحولت إلى مهمة جسيمة تهدف إلى تحقيق التوحّد بين القوى الوضاءة القادرة على الحياة، وتحريض الإنسان على تجاوز الوحش الكامن في أعماقه. إنها وسيلة للعيش بعقلٍ واعٍ، ومحاولة ضرورية للنجاة من الوحدة وعقاقير الاكتئاب التي تتربص بالوجود الإنساني.
الكتابة مهمة جسيمة وتوحيد للقوى الوضاءة
تمارس الكتابة لتخليص الروح من وحشها الداخلي، وبنبلٍ يليق بالكاتب تترك إرثًا يعلم الغناء والرقص رغم الفقر والمرض والوحدة، كما فعل "زوربا" في رواية نيكوس كازانتزاكيس. تلك الرقصة الشهيرة تنتفض بها الأرواح ضد الوحش الكامن، وتنتفض العقول ضد قوى التخلف التي تتربص خلف كل رقصة أو مشهد أو صفحة كتاب.
نجاة من الوحدة والاكتئاب
يكتب الإنسان لأن تلك رغبته، ولأنه لا يقدر على فعل سواها، وليُناقش الآراء التي وردت في كتبه، ولأنه غاضب من العالم. يكتب لينزوي في غرفته، وليتحمل الحقيقة عبر تغييرها، وليعرف العالم أي حياة عاشها ويعيشها. الكتابة هنا تصبح طوق نجاة؛ فبدلًا من الإمساك ببندقية عند الغضب، يمسك القلم ويكتب، عسى أن يستحيل مصدر الغضب إلى بهجة، أو على الأقل ألا تلتهم الطاقات السلبية إنسانيته وتحولها إلى وحش يفتك بنفسه.
زوربا.. درس في الرقص رغم الألم
مع سيد "باموق" كل الحق في وجوب ممارسة الكتابة للوقوف على الحقائق المؤسفة، والكتابة عن الواقع التعس لعلنا نعثر على طريقة لتغييره. وإن لم نستطع، يكفينا الهوس برائحة الورق والحبر، فبهما انصلح الكون. الكتابة هي انفتاح جرح، ومن يكتب يهجر معسكر القتلة، ويجب أن يكون الكتاب فأسًا للبحر المتجمد فينا.
الكتابة مواجهة للحقيقة وتغيير للواقع
معسكر القتلة تتسع رقعته يومًا بعد يوم حتى ضاقت بنا الحياة، كما قال كافكا. المعسكر ما زال يستقبل عميانًا جددًا، لكن هذا لا يعني تجاهل النصيحة، بل على العكس، علينا أن نكتب كي تنهار جبال الثلج التي تحاوطنا، وكي ننأى بأنفسنا عن ذلك المعسكر.
الهروب من معسكر القتلة
كل فرد يعاني فكرة الزوال، ويخال نفسه غير مسموع في عالم لا مبالٍ، فيريد أن يتحول إلى عالم من الكلمات خاص به. لا يكتب ليلاحظه العالم، بل ليصير هو عالمًا بكل من فيه وما فيه، وحينها سيلاحظه العالم. يضع الكاتب نصيحة السيد كونديرا صوب عينيه، معتبرًا مهنة الكتابة من أنبل وأنفع المهن، مقتنعًا بنفعه في هذا المجال، كما اعتبرها دوستويفسكي وكافكا وباموق وكازانتزاكيس.
عالم خاص بالكلمات
تظل الكتابة مهمة جسيمة توحد، تحرض، تتجاوز الوحش، تنجي، وتواجه قوى التخلف لتغيير الواقع، وتكشف الحقائق المؤسفة، وتهدم معسكر القتلة، وتنقذ من الاكتئاب والوحدة، لتثبت أنها مهنة نبيلة بحق، تحول الغضب إلى إبداع، وتجعل من رائحة الورق والحبر ملاذًا يصلح به الكون.



