في المحيط الهندي، حيث تتقاطع طرق التجارة الدولية والمصالح العسكرية والاقتصادية للقوى الكبرى، تتحول دولة صغيرة مثل سيشل إلى طرف يحظى باهتمام يتجاوز مساحتها وعدد سكانها، بعدما فتحت أبوابها أمام تعاون متزايد مع روسيا، في وقت ترتبط فيه بعلاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع أوروبا.
تقارب سيشلي روسي متسارع
منذ وصول الرئيس باتريك هيرميني إلى السلطة أواخر عام 2025، اكتسبت العلاقات بين سيشل وروسيا زخمًا ملحوظًا، تُوّج بزيارة الرئيس السيشلي إلى موسكو ولقائه فلاديمير بوتين في أبريل 2026. وشملت المباحثات التعاون في السياحة والطاقة والنقل والصيد البحري والتعليم، بينما اتخذ التقارب بعدًا أمنيًا مع استقبال ميناء فيكتوريا سفنًا تابعة للبحرية الروسية، وتوقيع مذكرة تفاهم للتعاون البحري والتدريب العسكري.
وفي سبتمبر، استقبلت سيشل سفينة التدريب الروسية «بيريكوب»، بعد زيارة سفينة حربية روسية أخرى في فبراير، فيما أعلن قائد قوات الدفاع السيشلية التخطيط لإجراء تدريب مشترك لمكافحة القرصنة خلال زيارة بحرية روسية مرتقبة في نوفمبر. ولم يتوقف التعاون عند المجال العسكري؛ إذ أعلن وزير خارجية سيشل باري فور، خلال وجوده في موسكو نهاية أكتوبر، بدء تصدير التونة مباشرة إلى السوق الروسية عبر رحلات إيروفلوت، إلى جانب اعتزام بلاده افتتاح سفارة مقيمة في العاصمة الروسية خلال الربع الأول من 2027.
أوروبا.. شريك تقليدي لا يمكن تجاهله
في المقابل، لا تبدأ علاقة سيشل بأوروبا من الصفر؛ فالاتحاد الأوروبي شريك اقتصادي مهم للأرخبيل، خصوصًا في قطاع الصيد البحري، فضلًا عن التعاون في الأمن البحري ومكافحة الأنشطة غير المشروعة في المحيط الهندي. وتزداد أهمية هذه العلاقة بالنظر إلى اعتماد اقتصاد سيشل على السياحة والثروة السمكية، وهما قطاعان يرتبطان بالأسواق الخارجية وحركة الملاحة والتجارة الدولية.
ومن هنا، فإن اهتمام بروكسل بالتقارب الروسي لا يتعلق فقط بوصول سفن عسكرية إلى ميناء فيكتوريا، وإنما باحتمال توسع النفوذ الروسي في قطاعات مالية وتجارية وأمنية داخل منطقة تتمتع فيها أوروبا بمصالح راسخة. ومع ذلك، لا توجد مؤشرات كافية على أن سيشل قررت استبدال شراكتها الأوروبية بعلاقة حصرية مع موسكو؛ بل تؤكد حكومتها تمسكها بسياسة تقوم على الصداقة مع الجميع وعدم العداء لأحد.
نماذج أفريقية مماثلة
ليست سيشل الدولة الأفريقية الوحيدة التي اكتشفت أن الموقع الجغرافي يمكن أن يعوض محدودية الموارد الطبيعية. فعلى الضفة الأخرى من المحيط الهندي، بالقرب من مضيق باب المندب، نجحت جيبوتي في استثمار موقعها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر لاستضافة قواعد عسكرية لقوى دولية متنافسة، بينها الولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإيطاليا، محققة عوائد مالية من استضافة هذه القواعد إلى جانب الاستثمارات المرتبطة بالموانئ والنقل والخدمات اللوجستية.
وتقدم موريشيوس نموذجًا مختلفًا، بعدما استخدمت موقع أرخبيل تشاجوس وأهمية قاعدة دييجو جارسيا العسكرية في معركة دبلوماسية طويلة مع بريطانيا لاستعادة السيادة على الجزر. وفي مايو 2025، وقعت لندن وبورت لويس اتفاقًا يعترف بسيادة موريشيوس على الأرخبيل، مع الإبقاء على استخدام القاعدة العسكرية الأمريكية البريطانية بموجب ترتيبات طويلة الأجل، رغم أن الاتفاق واجه عقبات سياسية وقانونية حالت دون دخوله حيز التنفيذ حتى أكتوبر 2026.
حدود سياسة تعدد الشركاء
بين سيشل وجيبوتي وموريشيوس، تختلف الأدوات والظروف، لكن القاسم المشترك يتمثل في محاولة تحويل ما تمتلكه الدول الصغيرة من مواقع جغرافية أو موانئ أو حقوق سيادية إلى عناصر تمنحها أهمية لدى القوى الكبرى. غير أن تعدد الشركاء لا يضمن تلقائيًا زيادة النفوذ؛ إذ يتوقف الأمر على قدرة الدولة على تحقيق مكاسب ملموسة، والحفاظ على استقلال قرارها، وتجنب الاعتماد المفرط على طرف واحد.
وفي حالة سيشل، ستكون نتائج التعاون مع موسكو واستمرار الشراكة مع بروكسل هما الاختبار الحقيقي لهذه السياسة، خصوصًا في مجالات الصيد البحري والتجارة والسياحة والأمن البحري. فالدولة الصغيرة قد لا تمتلك القدرة على تغيير موازين القوى الدولية، لكنها تستطيع، إذا أحسنت توظيف مواردها وموقعها، أن تجعل وجودها جزءًا من حسابات تلك القوى، بدلًا من أن تكون مجرد مساحة تتحرك فوقها مصالح الآخرين.



