اندلعت احتجاجات، الخميس، في عدد من مدن شرق السودان الخاضعة لسيطرة الجيش، على خلفية التدهور المتسارع للأوضاع المعيشية والانهيار المتواصل للجنيه السوداني، الذي تجاوز سعر الدولار الواحد أمامه حاجز 10 آلاف جنيه في تداولات الخميس، مقارنة بنحو 600 جنيه عشية اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
انهيار العملة وتدهور المعيشة
في ظل أزمة وقود خانقة تشهدها العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، وشح شبه كامل في غاز الطهي، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية، يواجه ملايين السودانيين تراجعا متزايدا في قدرتهم على تأمين احتياجاتهم اليومية، وسط مخاوف من اتساع رقعة الجوع.
احتجاجات وقطع طرق
أضرم محتجون إطارات سيارات في الطريق الرئيسي الرابط بين بورتسودان، المنفذ التجاري الرئيسي للبلاد، ومدن سودانية أخرى، معبرين عن عجزهم عن تحمل المزيد من الضغوط المعيشية. وظهر أحد المحتجين في مقطع فيديو تداوله ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، وهو يهتف: "لا نريد الموت جوعا"، في تعبير عن حجم الضغوط التي تواجه السكان مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية.
شلل الأسواق وخسائر التجار
بالتزامن مع تراجع قيمة العملة المحلية، تتسع حالة الركود في أسواق الخرطوم والمدن الرئيسية الأخرى، وسط تراجع حاد في حركة البيع والشراء، وارتفاع تكاليف المعيشة والنقل، وتزايد الأعباء المالية على التجار والمستهلكين. وتوقفت حركة البيع والشراء في قطاعات واسعة من الأسواق السودانية، ما فاقم الأزمة المعيشية ودفع القدرة الشرائية لملايين المواطنين إلى مستويات متدنية، بات معها الحصول على وجبة أساسية يومياً تحدياً حقيقياً للأسر محدودة الدخل.
وقال محمود النور، وهو تاجر في منطقة الكلاكلة جنوب الخرطوم، إن التجار يواجهون خطر الإفلاس مع تراجع حركة البيع والتغير المستمر في الأسعار، موضحاً: "يخشى التجار البيع في ظل الانخفاض المستمر للجنيه وفقدانه قيمته الشرائية.. نتعرض لخسائر كبيرة بسبب توقف حركة البيع".
آراء اقتصادية وأرقام رسمية
يواصل الجنيه السوداني فقدان قيمته في ظل شح النقد الأجنبي وتراجع الإنتاج والصادرات، مع تجاوز الدولار حاجز 10 آلاف جنيه في تداولات الخميس في السوق الموازي، وسط حالة من الارتباك في أوساط التجار والمتعاملين في سوق العملات. وقال أحد المتعاملين في سوق الصرف: "لم تعد هناك قاعدة محددة تحكم سعر العملة.. نتلقى طلبات كبيرة لتحويلات إلى عملات أجنبية.. هناك هجمة كبيرة على الدولار في ظل انعدام الثقة في الجنيه السوداني".
ويرى خبراء اقتصاديون أن الانهيار المتواصل للعملة المحلية يعكس حجم الاختلالات التي أصابت الاقتصاد السوداني بفعل الحرب، وما ترتب عليها من تراجع في النشاط الإنتاجي واتساع الضغوط المالية والمعيشية. ويقول الخبير الاقتصادي حسن بشير إن الانهيار الاقتصادي في السودان لم يعد مجرد نتيجة للدمار الذي أصاب المصانع والمزارع والأسواق والبنية التحتية، بل يرتبط أيضا بكيفية إدارة الموارد العامة وتحديد الأولويات الاقتصادية.
ويضيف بشير أن السودان يواجه أزمة مؤسسية عميقة، أصبحت فيها بعض أنماط السلوك الرسمي عاملا مضاعفا لتداعيات الحرب، بدلاً من أن تسهم في الحد منها، مشيراً إلى أن اتجاه المؤسسات إلى زيادة الجبايات والرسوم أو اللجوء إلى التمويل النقدي أدى إلى تصاعد الأسعار وتآكل القوة الشرائية. ويلفت إلى أن تعدد الضرائب والرسوم والجبايات، وتكرار تحصيلها عبر مستويات إدارية مختلفة، حول المالية العامة إلى عبء مباشر على الإنتاج والتجارة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من تراجع حاد في النشاط وتقلص مصادر الدخل.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، فقد السودان نحو نصف قدرته الإنتاجية بسبب الحرب، فيما انكمش الناتج المحلي الإجمالي بصورة تراكمية بأكثر من 46 في المئة، وفقاً للبنك الدولي، وارتفعت نسبة الفقر إلى نحو 81 في المئة، بينما فقدت أكثر من 60 في المئة من الأسر مصادر دخلها.



