يعد مسجد محب الدين أبو الطيب أحد أهم الشواهد التاريخية والمعمارية التي تجسد عراقة العمارة الإسلامية في القاهرة التاريخية. يقع هذا الصرح العظيم في شارع خان أبو طاقية المتفرع من شارع الخرنفش بحي الجمالية، حيث يحمل عبق التاريخ وقصص الحقب الزمنية التي مرت بها مصر.
تاريخ النشأة والعصر العثماني
أنشأ هذا المسجد محب الدين أبو الطيب الشافعي، وهو من الشخصيات البارزة التي عاصرت ولاية سليمان باشا الخادم على مصر في أوائل العصر العثماني، وتحديدًا بين عامي 934 و935 هجرية، الموافق لعامي 1527 و1528 ميلادية. وقد خضعت أوقاف المسجد لإشراف ديوان الأوقاف لضمان استمرارية دوره الديني والتعليمي.
وفي لفتة من الوفاء والوقف الخيري، قامت السيدة مبروكة عام 1272 هجرية بتخصيص ريع حوانيت تابعة للمسجد لصرف مبلغ سنوي مخصص لإقامة الشعائر وتلبية احتياجات الجامع وخدمه.
التخطيط المعماري والزخارف الفنية
يتميز المسجد بتخطيط فريد يجمع بين أصالة الطراز المملوكي ولمسات العصر العثماني. ويتكون المسجد من إيوانين وصحن مكشوف تتوسطه باحة مفروشة بالرخام النظيف، ويحيط بالصحن إيوانان رئيسيان، أحدهما إيوان القبلة الذي يحتوي على عقد مخمس ضخم من الحجر يعد من العناصر الأصلية النادرة.
ويضم المسجد منبرًا فريدًا يتميز بالدقة والإتقان، وهو مرصع بالعاج والأبنوس، بينما يتزين المحراب بكسوة من الرخام النفيس الذي يعكس فخامة الصنعة الإسلامية.
الملحقات والمرافق التاريخية
اشتملت عمارة المسجد على درقاعة وخلاوي خُصصت للمنشئ وأبنائه، بالإضافة إلى غرفة سكن الإمام العلوية. كما يعلو واجهة المسجد كُتّاب تاريخي كان مخصصًا لتعليم أيتام المنطقة والفقراء.
أما المنارة الأصلية، فقد كانت مبنية من الطوب الآجر في الجهة الشرقية للواجهة الشمالية وتكونت من ثلاثة طوابق، قبل أن يتعرض جزء كبير منها للانهيار في القرن التاسع عشر.



