أحيت صحيفة "ذا أوبزرفر" البريطانية ذكرى التظاهرات الحاشدة التي شهدتها لندن في الرابع من نوفمبر 1956 رفضًا للعدوان الثلاثي على مصر، معتبرةً إياها لحظة فارقة في تاريخ اليسار البريطاني.
نقطة تحول في المسار السياسي البريطاني
أوضحت الصحيفة في تقرير يستعيد أحداث الأزمة بعد مرور 70 عامًا، أن فشل العدوان الثلاثي في تحقيق أهدافه من المنظور البريطاني شكّل منعطفًا حاسمًا، أسهم في ظهور تيار "اليسار الجديد" الذي رفض الستالينية داخل الحركة الشيوعية، وانتقد تردد حزب العمال في مواجهة سياسات حكومة المحافظين برئاسة أنتوني إيدن.
مشاهد المواجهات في ترافالجار وايتهول
تناول التقرير المواجهات العنيفة التي اندلعت بين المتظاهرين والشرطة في محيط ميدان ترافالجار وشارع وايتهول، مشيرًا إلى أن الاحتجاجات لم تكن مجرد رفض للحرب، بل مثلت لحظة مفصلية في تطور الحركات السياسية والفكرية اليسارية في بريطانيا. ووصف ستيوارت هول، الذي كان طالبًا في جامعة أكسفورد آنذاك، المظاهرة في رسالة لصديق بأنها "مشهد لا يُنسى، أقرب إلى الثورة من أي شيء اقتربت منه في حياتي".
هتافات تطالب برحيل إيدن
أشار هول إلى أن الشرطة استخدمت الخيالة لتفريق الحشود، غير أن المتظاهرين عادوا للتجمع مجددًا مرددين هتافات تطالب برحيل رئيس الوزراء أنتوني إيدن. وكان هول، المولود في جامايكا والحاصل على منحة رودس، من أبرز المفكرين الذين أسهموا لاحقًا في تطوير الدراسات الثقافية في بريطانيا.
صحيفة "مانشستر جارديان" تصف المشاهد بـ"الفوضوية"
نقلت "ذا أوبزرفر" عن صحيفة "مانشستر جارديان" وصفها للمشهد في اليوم التالي بعنوان "مشاهد فوضوية في وايتهول"، في إشارة إلى حجم الاضطرابات التي عدّت من أعنف الاحتجاجات التي شهدتها لندن منذ عقود.
جذور الأزمة: تأميم قناة السويس
ترجع جذور الأزمة إلى قرار الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في يوليو 1956، ما دفع الحكومات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية لتدبير سيناريو العدوان بهدف إلغاء قرارات التأميم والإطاحة بعبد الناصر. وجاءت المظاهرة المناهضة للحرب قبل يوم واحد من إنزال القوات البريطانية في مصر، لكن العمليات العسكرية لم تطل، إذ اضطرت لندن وباريس إلى إعلان وقف العمليات تحت ضغوط دولية، وأمام المقاومة المصرية.
ضغوط أمريكية وإنهاء العدوان
أوضحت الصحيفة أن واشنطن، الغاضبة من استبعادها من التخطيط للعملية العسكرية، مارست ضغوطًا كبيرة على بريطانيا للالتزام بوقف إطلاق النار، لينتهي العدوان ببقاء عبد الناصر في السلطة وخروجه بمزيد من الشعبية، واستمرار سيطرة مصر على قناة السويس.
أنيورين بيفان يهاجم حكومة المحافظين
كانت المظاهرة قد دعت إليها قيادة حزب العمال تحت شعار "القانون لا الحرب"، وشهدت مشاركة شخصيات بارزة من الجناح اليساري، في مقدمتها أنيورين بيفان، الذي شن هجومًا حادًا على حكومة إيدن، واصفًا إياه بأنه "إما محتال أو أحمق"، مضيفًا أنه لا ينبغي أن يستمر في منصبه بأي من الصفتين.
نهر بشري يندفع نحو داونينج ستريت
مع انتهاء التجمع، اتجهت الحشود نحو مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت للمطالبة برحيل إيدن. ونقلت الصحيفة عن الصحفي نيل آشرسون، الذي شارك في المظاهرة، وصفه تحرك الحشود بأنه بدا تلقائيًا، وكأن "نهرًا بشريًا ضخمًا يندفع في اتجاه واحد".
تصاعد المواجهات وإصابات بين المتظاهرين
مع تقدم المتظاهرين في شارع وايتهول، انتشرت وحدات الشرطة الخيالة، وتصاعدت المواجهات. وتحدثت جين ميلر، التي أصبحت لاحقًا كاتبة ومتخصصة في مجال التعليم، عن سقوطها أرضًا بعدما صدمها أحد خيول الشرطة، مشيرة إلى أنها كانت قد اكتشفت للتو أنها حامل.



