تمتلك مصر تاريخًا يمتد لأكثر من ستة عقود في مجال البحوث النووية، بدءًا من تشغيل أول مفاعل بحثي في أنشاص، وتطور لاحقًا ليشمل إنتاج النظائر المشعة والتدريب العلمي، وهو ما يؤهلها اليوم للانتقال إلى مرحلة جديدة في الطب النووي الدقيق.
تاريخ طويل من البحوث النووية
بدأت علاقة مصر بالعلوم النووية قبل عقود من مشروع محطة الضبعة، وركزت تطبيقاتها المبكرة على الطب. وقد عملت مصر على بناء قدراتها العلمية من خلال مركز البحوث النووية في أنشاص، والمفاعلات البحثية، ومنشآت إنتاج النظائر المشعة، والجامعات والمستشفيات، متراكمة أجيال من الخبراء المصريين في المجالات النووية والطبية. وتؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية سلامة تطبيقات الطب النووي، كما تتعاون مع منظمة الصحة العالمية في الاستخدامات الطبية للتقنيات الإشعاعية.
تقنيات التصوير والعلاج المتقدمة
تختلف إمكانات الطب النووي جذريًا عن تقنيات التصوير التقليدية، فأنظمة مثل PET/CT وSPECT/CT تكشف عن كيفية عمل الأنسجة على المستويين الجزيئي والخلوي، مما يسمح باكتشاف المرض مبكرًا وفهم سلوكه البيولوجي بدقة، وربط التشخيص بالعلاج عبر ما يُعرف بالتشخيص والعلاج الموجّه (Theranostics). وتتميز الإجراءات التشخيصية باستخدام النويدات المشعة بمستويات منخفضة جدًا من الطاقة الإشعاعية؛ فجرعة الإشعاع في فحص التكنيشيوم-99m قد تكون أقل بمرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بالتصوير المقطعي المحوسب، مع سهولة الإجراء وسلامة المريض وقيمة تشخيصية عالية.
التحديات وبناء المنظومة المتكاملة
لا يكمن التحدي في التكنولوجيا ذاتها، بل في بناء المنظومة المتكاملة المحيطة بها، التي تتطلب إمدادات موثوقة من النظائر المشعة والمستحضرات الصيدلانية الإشعاعية، وقدرات في السيكلوترون والصيدلة الإشعاعية، وخبرات في الفيزياء الطبية والسلامة الإشعاعية، وأنظمة صارمة لمراقبة الجودة، إلى جانب كوادر متخصصة ومنظومة لوجستية فعالة. وقِصر عمر النصف للعديد من النظائر الطبية يجعل الإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد المنسقة عنصرين أساسيين لاستدامة الخدمات.
التعاون مع روساتوم: مركز متكامل للطب النووي
في 17 يونيو 2026، وقّعت شركة Rosatom Construction Technologies وهيئة الرعاية الصحية المصرية اتفاقية تعاون لدراسة إنشاء مركز حديث للطب النووي في مصر. يتضمن التصور المقترح منشأة لإنتاج المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية مزودة بمجمع سيكلوترون، وقسم للتصوير الجزيئي بأنظمة PET/CT وSPECT/CT، وقسم للعلاج بالنويدات المشعة، بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 30 ألف فحص تشخيصي و400 مريض للعلاج سنويًا. ويعكس هذا النهج المتكامل النظر إلى الإنتاج والتشخيص والعلاج كأجزاء من منظومة واحدة، مما يقلل الاعتماد على سلاسل لوجستية خارجية معقدة.
توريد النظائر المشعة وتجربة بوليفيا
في عام 2024، قامت مؤسسة روساتوم الحكومية بتوريد كلوريد اللوتيتيوم-177 إلى مصر لأول مرة، وهو مادة أولية رئيسية لإنتاج مستحضرات علاجية تستخدم في سرطان البروستاتا والأورام العصبية الصماوية. وتمتد محفظة روساتوم لتشمل نظائر تقليدية مثل الموليبدينوم-99 والتكنيشيوم-99m واليود-131، وجيلًا جديدًا مثل اللوتيتيوم-177 والأكتينيوم-225 والتيربيوم-161، حيث يُجرى سنويًا نحو 2.5 مليون إجراء تشخيصي وعلاجي عالميًا باستخدام منتجاتها في أكثر من 50 دولة. وتستحق تجربة مركز البحوث والتطوير في مدينة إل ألتو ببوليفيا اهتمامًا، حيث وصل مجمع السيكلوترون إلى طاقته الصناعية الكاملة، موفرًا مستحضرات لنحو 5 آلاف مريض سنويًا، ومتيحًا تشخيص وعلاج الأورام ومعالجة المنتجات الزراعية وتعقيم الأجهزة الطبية والتدريب النووي.
رؤية مستقبلية نحو شبكة وطنية متكاملة
يتماشى هذا النهج مع رؤية مصر 2030 وأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، خاصة الهدف الثالث: الصحة الجيدة والرفاه، والهدف التاسع: الصناعة والابتكار، والهدف السابع عشر: الشراكات. ولن يصبح الطب النووي عنصرًا تحويليًا حقيقيًا إذا ظلت الخدمات متركزة في مراكز كبرى فقط، بل ينبغي إنشاء شبكة متكاملة تدعم المستشفيات في مختلف الأقاليم، مع إمدادات موثوقة وبرامج تدريب مستمرة، لتمكين المرضى من الوصول إلى خدمات متقدمة دون عوائق جغرافية. ويمكن لخبرة روساتوم أن تسهم في تصميم منشآت متكاملة، وتطوير قدرات الإنتاج، وضمان إمدادات النظائر، والتدريب على السلامة الإشعاعية، وعند دمجها مع المؤسسات العلمية المصرية والكوادر الطبية المحلية، يمكن تسريع الانتقال إلى منظومة وطنية متكاملة للطب النووي، يُقاس نجاحها بعدد المرضى الذين حصلوا على تشخيص مبكر وعلاج دقيق وفرصة أفضل للرعاية الصحية.



