استعاد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال الحفل الختامي لأعمال «منتدى مصر 2026» بالعاصمة الإدارية الجديدة، واحدة من أكثر اللحظات الإنسانية تأثيرًا في مسيرة تطوير المناطق العشوائية، حين روى حكاية طفل من حي الأسمرات لم يتجاوز التاسعة من عمره، قال فيها: «كنا بننام كلنا على الأرض.. وأول مرة أنام على سرير من يوم ما اتولدت كانت لما جينا الأسمرات».
لحظة إنسانية تختصر معنى التنمية
أوضح مدبولي أن الطفل كان يعيش مع أسرته داخل «عشة» بمنطقة الشرابية، ولم يكن يحلم إلا بمكان آمن وسرير ينام عليه، ونقلته الدولة إلى وحدة سكنية مجهزة في الأسمرات تضم مدارس ومستشفيات وخدمات، مانحةً الأسرة بداية جديدة وحياة كريمة. وقال رئيس الوزراء متأثرًا: «أقسم بالله لكم لو أن فخامة السيد الرئيس لم يفعل شيئًا في حياته لهذا البلد غير ما فعله لهؤلاء المواطنين، فهذا يكفي».
12 عامًا من البناء تحت المجهر
استعرض مدبولي، خلال الجلسة الختامية للمنتدى الذي عُقد في الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري بتشريف الرئيس عبد الفتاح السيسي، حصاد 12 عامًا من العمل، مجيبًا عن أسئلة: أين كانت مصر؟ وكيف أصبحت؟ وهل شعر المواطن بثمار التنمية؟ وأكد أن الهدف ليس سرد الإنجازات فقط، بل فتح حوار جاد وتحديد مستهدفات السنوات الثلاث المقبلة، مع إتاحة الخطط التنفيذية للمواطنين عبر منصة المنتدى لمتابعة الإنجاز.
من أزمات متراكمة إلى مشروع متكامل
استعرض رئيس الوزراء التحديات التي واجهتها الدولة عام 2014: تراجع الاحتياطي النقدي، انخفاض النمو من 5.1% إلى 1.9%، ارتفاع البطالة إلى 13.2%، وعجز الموازنة من 8% إلى 12%، بجانب تركز السكان في مساحة محدودة وضغط على البنية الأساسية. وأكد أن المواجهة تطلبت مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة وتطوير مواردها وخلق فرص اقتصادية.
التوسع العمراني والقضاء على المناطق غير الآمنة
أعلن مدبولي مضاعفة الرقعة المعمورة من 7% إلى 14% من مساحة مصر، وإنشاء مدن جديدة وشبكات طرق ومرافق لربطها. وتعاملت الدولة مع 357 منطقة غير آمنة يسكنها 1.5 مليون مواطن، عبر توفير نحو 250 ألف وحدة سكنية بديلة مجهزة ومؤثثة، بجانب تنفيذ نحو مليوني وحدة ضمن برنامج «سكن لكل المصريين». واستعرض نماذج مثل مثلث ماسبيرو، والأسمرات، والمحروسة، وروضة السيدة، وتطوير مناطق تاريخية في القاهرة.
طرق ومحاور ومواصلات تربط الجمهورية
ارتفعت أطوال شبكة الطرق إلى نحو 31 ألف كيلومتر، مع تنفيذ محاور جديدة على النيل، وتطوير الطريق الدائري، وطريق السويس، ووادي النطرون – العلمين، والدائري الأوسطي، وأسيوط الغربي، وربط سيناء بخمسة أنفاق جديدة بجانب نفق الشهيد أحمد حمدي، وكباري عائمة، وإعادة تشغيل خط سكك حديد سيناء. كما تطرق لمشروعات المترو، والقطار الكهربائي الخفيف، والمونوريل، والقطارات السريعة، وتطوير الموانئ البحرية والجافة والمناطق اللوجستية والمطارات.
مياه وكهرباء وغاز.. بنية أساسية للإنتاج
ارتفع إنتاج مياه الشرب من 28 إلى 45 مليون متر مكعب يوميًا، وطاقات التحلية من 84 ألفًا إلى 1.5 مليون متر مكعب يوميًا. وفي الكهرباء، زادت القدرات من 29 إلى 64 ألف ميجاوات، مع محطات سيمنز، ومشروعات الطاقة الشمسية والرياح، ومحطة الضبعة النووية. ووصلت الوحدات السكنية المخدومة بالغاز الطبيعي من 6.2 إلى 16.2 مليون وحدة. وارتفعت تغطية الصرف الصحي في الريف من 12% إلى 60%، مستهدفة التغطية الكاملة عبر «حياة كريمة».
زراعة وصناعة.. أمن غذائي وفرص عمل
ارتفعت الرقعة الزراعية من 9.1 إلى 10.5 مليون فدان، مستهدفة 12.5 مليون فدان عبر مشروعات الدلتا الجديدة، وشرق العوينات، وتوشكى، وغرب ملوي. وتضمن التطوير بحيرات ومحطات معالجة لزيادة الإنتاج الزراعي والسمكي. صناعيًا، أُنشئ 16 مجمعًا وفرت 4800 مصنع صغير ونحو 50 ألف فرصة عمل، مع جذب استثمارات للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتركيز على تعميق التصنيع المحلي وزيادة المكون المحلي في صناعة السيارات.
«حياة كريمة».. التنمية تصل قلب الريف
تستهدف المبادرة تحسين خدمات 60 مليون مواطن في 4580 قرية، وانتهت مرحلتها الأولى لـ 18 مليون مواطن، وتستعد للمرحلتين الثانية والثالثة. تشمل المشروعات: مياه شرب، صرف صحي، منشآت صحية وخدمية، مراكز شباب، وتبطين ترع، بهدف تغيير شامل في البنية الأساسية ومستوى المعيشة بالقرى.
صحة وتعليم.. استثمار في الإنسان
نفذت مبادرة قوائم الانتظار 3.4 مليون عملية جراحية بتكلفة 38 مليار جنيه دون تحمل المرضى تكاليفها. توسعت منظومة التأمين الصحي الشامل، وتطورت المستشفيات. في التعليم، أُنشئ وطُوّر 150 ألف فصل، فانخفضت الكثافة من 75 إلى 41 طالبًا، وتوسع التعيين والتطوير. ارتفع عدد الجامعات من 50 إلى 131 جامعة، مع زيادة الجامعات الأهلية والتكنولوجية لربط التعليم بسوق العمل.
سياحة واتصالات وحماية اجتماعية
ارتفع عدد السائحين من 9.5 إلى نحو 20 مليونًا، مستهدفين 30 مليونًا عبر تطوير البنية الأساسية والمتاحف. قفزت سرعة الإنترنت الثابت من 3 إلى 98 ميجابت، وأبراج المحمول من 7 إلى 41 ألف برج، مع رقمنة الخدمات الحكومية. وصل برنامج «تكافل وكرامة» إلى 8.3 مليون أسرة تراكميًا، و4.7 مليون أسرة مستفيدة حاليًا، مع التركيز على التمكين الاقتصادي.
ماذا لو لم تُنفذ المشروعات؟
طرح مدبولي سيناريو عدم التدخل: تفاقم المناطق غير الآمنة، زيادة العجز السكني، ضعف الصرف الصحي، ارتفاع كثافة الفصول، ضغوط على المستشفيات والكهرباء والطرق، وتقييد جذب الاستثمارات والتوسع الصناعي والزراعي. أقر بأن بناء الدول عملية مستمرة، وأن ما تحقق في 12 عامًا كان قد يستغرق 30 عامًا في دول أخرى، مستعرضًا التحديات الاستثنائية: الإرهاب، كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية، غزة، السودان، والتطورات الإقليمية.
هل شعر المواطن بثمار التنمية؟
أشار إلى استفادة 18 مليون مواطن في قرى «حياة كريمة» المرحلة الأولى، وانتقال 1.5 مليون من المناطق غير الآمنة، واستفادة أسر من الإسكان، و36 مليونًا من الصرف الصحي في القرى، وملايين من المبادرات الصحية، وتقليل زمن الانتقال بالطرق. أكد أن المواطن ركيزة التنمية، والحكومة تدرك الأعباء وتعمل على زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل ورفع الدخول وجودة الخدمات.
السنوات الثلاث المقبلة.. جودة الخدمات أولوية
كشفت الحكومة عن انتهاء إعداد البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي، لطرحه خلال شهرين للحوار المجتمعي. ستركز المرحلة المقبلة على استكمال التأمين الصحي الشامل، و«حياة كريمة»، والإسكان، وجودة التعليم، والتوسع في الجامعات التكنولوجية والتطبيقية، وربط التعليم بسوق العمل، وزيادة النمو والإنتاج، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص عمل، وتحسين مستوى المعيشة.



