تسابق أطراف إقليمية الزمن لإحياء المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، وسط تحذيرات من احتمال استئناف العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، والمقررة الأسبوع المقبل. وتتركز جهود الوساطة، التي تقودها الدوحة، على بلورة صيغة تسمح باستئناف عمليات التفتيش الدولية للمنشآت النووية الإيرانية المتضررة، مقابل تقديم تسهيلات اقتصادية محدودة لطهران، تشمل تخفيف بعض العقوبات وإتاحة الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.
جهود الوساطة القطرية وتفاصيل المقترحات
أجرى المفاوض القطري علي الذوادي زيارة إلى طهران خلال الأسبوع الجاري، التقى خلالها مسؤولين إيرانيين لبحث فرص التوصل إلى تفاهم مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتحظى المبادرة القطرية بمساندة من السعودية وباكستان ومصر وتركيا، التي تشارك في اتصالات تهدف إلى إقناع القيادة الإيرانية بقبول مقترحات قد تسهم في تجنب تصعيد عسكري واسع. وتتمحور المقترحات المطروحة حول خلاف أساسي بين الطرفين؛ إذ تطالب واشنطن طهران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، في حين تشترط إيران رفع الحصار البحري الأميركي والإفراج عن أموالها المحتجزة قبل تقديم تنازلات. وبحسب مصادر إقليمية ومسؤولين أميركيين، يحاول الوسطاء إقناع إيران بأن التوصل إلى تسوية في المرحلة الحالية قد يكون الخيار الأكثر فاعلية لتفادي هجمات جديدة واسعة النطاق.
مسار التفتيش النووي وتخفيف العقوبات
من بين المسارات التي يجري بحثها، إعادة العمل بالترتيبات التي توصلت إليها إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في القاهرة خلال سبتمبر 2025، والتي أتاحت استئناف زيارات المفتشين الدوليين إلى المنشآت النووية الإيرانية. غير أن هذه الترتيبات توقفت بعد إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران بموجب آلية العودة التلقائية للعقوبات. وأشار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، خلال كلمة أمام مجلس الأمن الدولي الثلاثاء، إلى أن إحياء اتفاق القاهرة يمكن أن يشكل أساسا لاستعادة عمليات التفتيش في المواقع النووية التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي. وتتضمن الأفكار المطروحة منح طهران إعفاءات محدودة تتيح لها تصدير النفط، إلى جانب الإفراج عن جزء من أموالها المجمدة لاستخدامها في شراء المواد الغذائية والاحتياجات الإنسانية، مقابل السماح للمفتشين الدوليين بالوصول إلى المواقع النووية المستهدفة. ولا تزال هذه المقترحات في مرحلة المشاورات، إذ أفادت مصادر إقليمية بأن الجانب الإيراني يسعى إلى الحصول على موافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي خلال الأيام المقبلة، قبل تقديم رد نهائي على المبادرة.
تصعيد ترامب والتهديدات العسكرية
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من لهجته تجاه طهران، متحدثًا عن قرب انضمام إيران إلى ما سماه "قائمة الانتصارات الأمريكية"، ومقارنًا ذلك بما جرى في فنزويلا. وخلال كلمة ألقاها في تجمع انتخابي بمدينة تشيليكوث بولاية أوهايو، قال ترامب إن الولايات المتحدة تمكنت من تدمير القدرات الجوية والبحرية الإيرانية، مضيفًا أن ترسانة طهران الصاروخية لم تعد تضم سوى أعداد محدودة من الصواريخ. كما زعم أن نقص إمدادات الكهرباء يعرقل قدرة إيران على إنتاج الطائرات المسيّرة. وجدد ترامب موقف إدارته الرافض لامتلاك إيران أسلحة نووية، مؤكدًا أن واشنطن لن تسمح بتحقيق هذا الهدف. من جانبه، أقر ترامب في تصريحات لموقع "أكسيوس" الأربعاء بوجود اتصالات مع إيران عبر وسطاء، لكنه لم يحسم موقفه بشأن فرص نجاحها، مؤكدًا أن إدارته تسعى إلى تحقيق أهدافها سواء من خلال اتفاق سياسي أو عبر خيارات أخرى. في المقابل، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا تزال تمنح الدبلوماسية فرصة، بالتزامن مع تأكيد استعداد القوات الإيرانية للدفاع عن البلاد.
التنسيق العسكري الإسرائيلي الأمريكي
بالتوازي مع الاتصالات السياسية، تتواصل الاستعدادات العسكرية تحسبا لفشل الجهود الدبلوماسية. وذكر "أكسيوس" أن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير عقد محادثات الاثنين مع قائد القيادة المركزية الأمريكية، براد كوبر، لتنسيق المواقف بشأن أي هجمات محتملة. وبحسب تقديرات لمسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، قد تستمر أي حملة عسكرية جديدة نحو أسبوع، مع التركيز على مواقع القيادة الإيرانية وقطاع الطاقة والمنشآت النووية والبنية التحتية. كما ناقش ترامب الملف الإيراني مع وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال رحلة إلى ولاية تكساس الثلاثاء، قبل أن يتناوله مجددا في اجتماع مع فريق الأمن القومي الأربعاء، ضمن إحاطة استخباراتية. وقال مسؤول في البيت الأبيض إن إيران تعرضت لخسائر عسكرية ومالية كبيرة، محذرًا من أن واشنطن قد تمضي نحو إنهاء المواجهة إذا لم تغير طهران سياستها سريعا.
الأيام المقبلة حاسمة لمسار الأزمة
تتجه الأنظار حاليا إلى الرد الإيراني على المقترحات التي نقلها الوسطاء، في وقت ينتظر فيه البيت الأبيض تقييم المبادرة بعد اتضاح موقف طهران منها. وبين الرهان على استئناف المفاوضات واستمرار الاستعدادات العسكرية، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الجهود الإقليمية ستنجح في فتح نافذة جديدة للحل الدبلوماسي، أم أن تعثرها سيدفع الأزمة إلى مواجهة أخرى قد تستهدف مواقع استراتيجية وحيوية داخل إيران. وحتى الآن، لا تشير المعطيات الواردة إلى التوصل لاتفاق نهائي، فيما تبقى فرص التهدئة مرتبطة بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات بشأن الملف النووي والعقوبات والحصار البحري، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من التصعيد.



